
موسى: شرق أوسط على فوهة النار
بقلم: خالد مراد
حين يتحدث الدبلوماسي المخضرم عمرو موسى عن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم، فإن حديثه لا يكون مجرد تعليق سياسي عابر، بل قراءة عميقة لتوازنات معقدة وخريطة إقليمية يُعاد رسمها على وقع الصراعات الكبرى.
فالرجل الذي خبر دهاليز السياسة الدولية لعقود طويلة يعرف جيدًا كيف تُصاغ القرارات الاستراتيجية، وكيف تُصنع التحولات الكبرى في النظام الدولي.
وفي قراءته الأخيرة للمشهد، يضع موسى المنطقة أمام حقيقة قاسية: ما يجري ليس مجرد مغامرة إسرائيلية يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولا مجرد اندفاع سياسي من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بل هو جزء من تصور استراتيجي أوسع تسعى من خلاله واشنطن إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق معادلات جديدة.
ضمن هذا التصور تتحرك إسرائيل بوصفها شريكًا إقليميًا رئيسيًا في مشروع إعادة ترتيب المنطقة، بحيث يتشكل نظام سياسي وأمني جديد تكون فيه تل أبيب مركز الثقل، بينما يعاد توزيع الأدوار والنفوذ بين القوى الإقليمية بطريقة تضمن استمرار الهيمنة الأمريكية وترسيخ التفوق الإسرائيلي.
لكن هذه الخريطة الجديدة، كما يحذر موسى، لن تولد بسهولة.
فالشرق الأوسط ليس فراغًا جيوسياسيًا يمكن إعادة تشكيله بقرار أحادي، بل هو ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى.
فهناك الصين التي تعمل على توسيع نفوذها الاقتصادي عبر مشروعها الضخم مبادرة الحزام والطريق، وهو مشروع تمر مساراته الحيوية عبر قلب المنطقة العربية.
وهناك أيضًا روسيا التي تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره أحد مفاتيح التوازن الدولي، ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام تحولات قد تمس مصالحها الاستراتيجية.
وفي ظل هذه المعادلات المعقدة، يبدو المشهد في إيران بعيدًا عن صورة الاستسلام التي ربما كان يتوقعها البعض في واشنطن أو تل أبيب.
فطهران لا تتصرف كدولة مهزومة، بل كطرف قد يلجأ إلى خيارات أكثر خطورة إذا شعر بأن وجوده ذاته بات مهددًا.
وهنا يلوح في الأفق منطق بالغ الخطورة، منطق “عليّ وعلى أعدائي”، حيث يمكن لأي تصعيد أن يفتح أبواب مواجهة أوسع لا يمكن التكهن بحدودها.
من هنا تبرز أهمية اللحظة العربية الراهنة. فمع اقتراب اجتماعات جامعة الدول العربية، تصبح الحاجة ملحة إلى موقف عربي يرتقي إلى مستوى التحدي التاريخي الذي يواجه المنطقة.
لم يعد كافيًا إصدار بيانات تقليدية أو الاكتفاء بمواقف دبلوماسية حذرة، بل المطلوب رؤية عربية واضحة قادرة على التعامل مع التحولات الكبرى التي تتشكل في الأفق.
فالشرق الأوسط يقف اليوم على مفترق طرق حقيقي؛ إما أن تنجح الدول العربية في بلورة موقف موحد يحمي مصالحها ويصون هويتها ويمنع فرض خرائط جديدة عليها، أو تجد نفسها مرة أخرى أمام واقع يُصاغ خارج إرادتها.
وهنا تبدو الخلاصة التي يلمح إليها عمرو موسى واضحة وصارمة في آن واحد: إن لم يرتفع سقف الطموح العربي إلى مستوى هذا التحدي التاريخي، وإن لم يُطرح بديل عربي قادر على مواجهة مشاريع الهيمنة وإعادة تشكيل المنطقة، فإن فكرة العمل العربي المشترك نفسها قد تصبح مجرد ذكرى من زمن مضى.





